المنجي بوسنينة
682
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
ثم قدم إلى بغداد ، وعاش أغلب سنوات عمره فيها ، ما عدا زياراته إلى الري أيام ابن العميد ثم الصاحب بن عباد ؛ وبعدها قرّر أن ينفي نفسه في شيراز حتى توفّي بها . والغريب أن أبا حيان لم يفصح عن حياته في الطفولة والصبا والشباب ، بل لم يعرّفنا بشيء عن أسرته وتعلّمه ، وكيف كان انتقاله من واسط إلى بغداد . لكن المعروف لدينا على نحو مؤكد أنه كان حوالي سنة 340 ه / 951 م تلميذا لجعفر بن محمد بن نصير الخلدي ؛ وأنه ظهر مؤلفا في الوراقين ببغداد سنة 347 ه / 958 م ، وأن سنوات ازدهار نشاطه مؤلفا وكاتبا بارعا من الطراز الأول كانت على مدى ثلاثة وخمسين عاما حتى عام 400 ه / 1010 م سنة إحراق كتبه في شيراز . إن شحّ الأخبار التي تعيننا على فهم السيرة الكاملة لأبي حيان إنما ترجع إلى أنه لم يرد اطلاع الناس على تفصيلات حياته لأسباب كثيرة . أبرزها التّستّر على أحوال له لم يكن ليرتاح إلى الكشف عنها ، خصوصا أنه كان جليس الوجهاء والمفكرين والفقهاء والفلاسفة ، ثم الوزراء . ولكن يستشف من إشاراته المتناثرة في كتبه أنه درس الأدب والنحو والمنطق والفقه والفلسفة ، خلال حياته الطويلة في بغداد ، على السيرافي والرمّاني وأبي حامد المروروذي وأبي بكر الشاشي ويحيى بن عدي وأبي سليمان السجستاني . والأخير كان أستاذه الكبير الذي يعتدّ بتتلمذه عليه [ م . س ، 277 ، 288 ، 233 ، 240 - 244 ] ، فعنه أخذ الدرس مباشرة وبالسماع والمحاورات والأمالي في القراءات . ولقد نسب مؤرخو أبي حيان وكتّاب سيرته من المستشرقين والعرب إليه عنوانات لمؤلفات احتملت التغليط والتصحيح والنفي والإثبات ، قدمناها على نحو مفصل في مكان آخر [ م . س ، 71 - 80 ] ؛ وذكرنا هناك المنحول والصحيح من هذه العنوانات ، واعتبرنا قائمة ياقوت التي تضمنت حوالي عشرين عنوانا هي الأقرب إلى الصواب [ معجم الأدباء ، 5 / 238 ] ؛ واتضح لنا أن الباحثين المحدثين في أبي حيان لم يكونوا دوما دقيقي المعرفة بكتبه ونصوصه ، كما خلطوا في مؤلفاته بينه وبين ابن حيان الأندلسي وأبي حيان النحوي . لكن تحقيقنا لعناوين كتبه التي وصلت إلينا ، وهي منشورة الآن نشرا علميا ، يسمح لنا بالقول في إمكان وقوع التحريف فيها أو أنّها مجتزأة من مؤلفات أخرى [ كتابنا ، أبو حيان ، 82 ] . لقد كان أبو حيان التوحيدي ممثّلا لحركة الفكر العربي المزدهر في القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي ، وكانت هذه المدرسة الفكرية « مدرسة بغداد المنطقية » أسست على أيدي أبي بشر متّى بن يونس ، وأبي نصر الفارابي ، ويحيى بن عديّ ، وأبي سليمان المنطقي ؛ وكان أبو حيان من أبرز أعضائها . أما زملاؤه في الدرس والتحصيل والجدل في هذه المدرسة الفكرية فهم : أبو الفتح النوشجاني ، وأبو العباس البخاري ، وأبو الخير اليهودي ، وابن الخمار ، وابن السمح ، وأبو بكر الصيمري ، وأبو زكريا الصيمري ، وأبو محمد العروضي ، وأبو علي بن زرعة ، وعيسى بن علي بن عيسى ،